الذهبي

838

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

البوّاب فأعلمها بِهِ ، فقالت : يمضي إلى الّتي مَدَحها تردّه إلى القضاء ، فأبلغه ، فَعَزَّ عَلَيْهِ ، وبقي بالحضرة أيّامًا حتّى فنيت نَفَقَتُه ، فأتى خادمها فقال : قد أردت بيع هذا المهر ، فأعطني مثقالين أتزود بهما إلى أهلي ، وخذه فأنت أولى به ، فسرَّ الخادم وأعطاه ، ودخل مسرورًا بالمهر ، وأخبر الست ، فرقت عليه وندمت ، وقالت : ائتني بِهِ ، فأسرع وأدخله عليها ، فقالت : تمدح حواء وتسرف ، وزعمت أَنَّهُ لَيْسَ في النّساء أحسن منها ، وما هذه منزلة القُضاة ، فقال في الحال : أنت بالشمس لاحِقَهْ . . . وهي بالأرض لاصقهْ فمتى ما مَدَحْتُها . . . فهي من سيرَ طالقهْ فقالت : يا قاضي طَلّقْتَها ؟ ! قَالَ : نعم ، ثلاثة وثلاثة وثلاثة ، فضحكت حتّى افتضحت ، وكتبت إلى يوسف يردّه إلى القضاء . قلت : ولا رَيْب أنّ يوسف ملكٌ من الملوك ، بَدَت منه هنّات وزلّات ، ودخل في دهاء الملوك وغدرهم ، ولمّا أخذ إشبيلية من المعتمد شن عسكر ابن تاشَفِين الغارة بإشبيلية ، وخلّوا أهلها عَلَى برْد الدّيار ، وخرج النّاس من بيوتهم يسترون عوراتهم بأيديهم ، واقتضت الأبكار ، وتتابعت الفتوحات لابن تاشَفِين ، وكانت فُقهاء الأندلس قَالُوا لَهُ : لا تَجِبْ طاعتُك حتّى يكون لك عهد من الخليفة ، فأرسل إلى العراق قومًا من أهله بهدايا ، وكتابًا ، يذكر فيه ما فعل بالفرنج ، فجاءه من المستظهر باللَّه أحمد رسول بهديّة ، وتقليد وخِلْعة ، وراية ، وكان يقتدي بآراء العلماء ، ويعظّم أهل الدين ، ونشأ ولده عليّ في العفاف والدّين والعِلْم ، فولّاه العهدَ في سنة تسعٍ وتسعين وأربعمائة . وتُوُفّي يوسف في يوم الاثنين ثالث المحرَّم سنة خمس مائة ، ورّخه ابن خلكان ، وقبله عزّ الدين ابن الأثير ، وغيرهما ، وعاش تسعين سنة . قَالَ الْيَسَعُ بْن حَزْم : فمِن فضله أَنَّهُ لما أراد بناء مُرّاكش ادّعى قومٌ مَصَامِدَةٌ فيها أرضًا ، فأرضاهم بمالٍ عظيم ، وكان يلبس العباء ، ويُؤثر الحياء ، ويقصد مقاصد العز في طُرُق المعالي ، ويكره السَّفساف ، ويحبّ الأشرف